ألقينا القبض على الدجاج الفاسد... فماذا عن ديوك الفساد؟!

مشاركة


لبنان اليوم

*بسام سامي ضو

فضيحةٌ بحجم تلك التي ضجّ بها لبنان قبل أيام، مع "الكشف" عن مستودعين يحويان أطناناً من لحوم الدجاج الفاسدة التي يُعاد تعليبها قبل توزيعها في مراكز التسوّق والمطاعم والدكاكين، وبعضها منتهي الصلاحية منذ أربع سنوات، كفيلةٌ بإسقاط حكومةٍ برمّتها، أو وزير الوصاية، أو المدير العام للوزارة في الحد الأدنى من جهة، وأن تؤدّي من جهةٍ أخرى إلى "انتفاضةٍ" يقوم بها "الشعب" المستهدف بموادّ استهلاكية تصيبه بأمراضٍ خطرة من بينها السرطان وتهدّده بالموت، وإلى إعلانه عصياناً مدنياً رفضاً للاستهتار بحياة الأطفال خصوصاً من محبّي تلك الأصناف من المأكولات السريعة التحضير، مع الإصرار على إنزال العقوبة التي يستحقها مَن يُجرم في حق صحة الناس، ومَن يغطيه ويحميه.

هذا في المنطق، أما على أرض الواقع فالوضع مغاير:

رسمياً: يتسابق الوزراء والمسؤلون إلى الظهور على الأرض في موقع دهم مستودعات اللحوم الفاسدة والتصريح أمام وسائل الإعلام، متوعّدين بإنزال أشدّ العقوبات في حق المتورطين الذين لم يوقف أحدهم حتى الآن!

إعلامياً: لا يوفّر المراسلون تفصيلاً بشعاً إلا نقلوه مباشرةً على الهواء، مع تأسفهم فقط لعدم قدرتهم على إيصال الرائحة النتنة إلى المشاهدين الكرام.

شعبياً: يُصدم اللبنانيون من هول وبشاعة ما يشاهدون، يشتمون "الزعران والفاسدين" من دون أن يذكروا اسم أحدٍ منهم، ثم ينصرفون إلى ابتكار الطرائف ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي وحصد "اللايكات" عليها، ويحمدون نعمة أنهم لا يزالون أحياءً يُسرقون ويُنهبون وسموماً يأكلون.

ألا يستحق خوف الأمهات والآباء على أولادهم وقفةً غاضبة أمام قصر العدل أو أيّ مقرٍّ رئاسي أو حكومي أو وزاري؟ ألا يستحق اعتصاماً مفتوحاً حتى توقيف المرتكب ومثوله أمام العدالة؟

لكننا اعتدنا أن ننام قريري العين وقد أدّينا قسطنا للعلا، بانتظار فضيحةٍ تنسينا هذه وتمنح المسؤولين بطولةً صُورية جديدة، والمراسلين تسجيل "سكوب" جديد، وتمنحنا فرصة الإبداع في التندّر على كارثةٍ جديدة تصيبنا.

وهكذا... ألقينا القبض على الدجاج الفاسد، وتركنا "ديوك الفساد" يسرحون ويمرحون ويُفسدون بيننا، مع أننا نعرفهم بالموقع والمنصب والشكل والاسم الذي نصرّ على أن يسبقه لقب "معالي وسعادة"، ونعرف الزعماء الذين يمنعون محاكمتهم ويُغدقون عليهم "خطاً أحمر" يُمنع على أحدٍ تجاوزه.

وهكذا، نستمرّ نحن في تسليم حياتنا لأولياء أمورنا أنصاف الآلهة، مستسلمين لإرادتهم العليا، مستقيلين من موقعنا وقيمتنا ودورنا، مكرّسين ذاوتنا "مزابل" يطيب لكلٍّ منهم الصياح فوقها!

*صحافي وكاتب لبناني مقيم في دبي







مقالات ذات صلة