ثلاثون عاماً من الانتظار... يا وطني!

مشاركة


لبنان اليوم

*جميل ضاهر

أنا واحدٌ من الناس الذين اغتربوا وكان حلم العودة مفتاح الصبر لهم... ثلاثون عاماً وأنا أعدّ نفسي لصباحٍ في بيروت، أشرب قهوتي في شارع الحمرا، ومن ثم "آخذ سرفيس" إلى "مقهى الروضة" لعلّي ألتقي بعضاً من رفاق زمان، أضع نظارتي وأفتّش بين الوجوه المستجدة، ومتى وجدت أحداً يعرفني نضحك ونتبادل أرقام الهاتف وأساله: "وين في أكل طيّب"؟ فأنا لا أريد من بيروت أكثر من ذلك.

ثلاثون عاماً وأنا أحلم أن يكون لي بيتٌ في "شبعا" تظلّله عريشة وأشجار صنوبر وبعض السرو، وعلى بابه سريةٌ من الورد الداشر، لعلّي أستعيد مشهداً من ذاكرة الثلج، حيث كان أبي يراقب نتفه البيضاء وينادي أمي:"يا فاطمة اعطيني المساس (عصا طويلة) لينفض الثلج عن الأشجار كي لا تتكسر أغصانها، وهو مجبّر العظام.

ثلاثون عاماً من الانتظار فاتني أن أكون معهم في يوم وداعهم الأخير، دائماً أصل متاخراً فأقرأ الفاتحة وحدي مع ما تيسّر من الورود الصامتة فوق القبور.

ثلاثون عاماً جمعتُ فيها ما استطعت كي أكمل عمري خفيفاً "محترماً"، سبقني الوطن، وخطف تعبي وتركني على قائمة الانتظار "ليقصّ ما تبقّى من شعري"، غريبٌ أنا يا وطني أم أنت الغربة؟ منهكٌ أنت أم أنا المنتهك؟ جشِعٌ أنا أم أنت المسروق؟ كل ما في الأمر أني أفرطت في أحلامي، لكنك كالحرية، أبوابها موصدة في وجه عشاقها، نتوق إليها ولا نصلها، نموت على أدارجها، تذبل في مساكبها. أتموت الحرية؟! نهتف باسمها، نغنّيها وننثرها شعراً، أعمدةً، محراباً، شوارع باسمها (صمت).

لقد استنزفتَ كل طاقتنا يا وطني، فلا أدري إذا كان لنا في ربوعك مرقد عنزة نرنو إليه وخلفنا صوت المؤذّن ينطلق من مئذنةٍ مهجورة أو جرس كنيسةٍ يُقرع من قريةٍ مجاورة.

*إعلامي لبنان- دبي







مقالات ذات صلة