إعطاء الافادات والترفيع التلقائي... هل يخدم طلاب لبنان؟

مشاركة


منوعات

 

*جنان كرامه شيّا

بعد اقتراح معالي وزير التربية والتعليم العالي طارق المجذوب بإلغاء الامتحانات الرسميّة، وإعطاء إفادات لتلامذة شهادتي المتوسّطة والثانويّة العامّة، علت في آنيّتها، احتفالات التلامذة بعد ادراكهم بأنّهم قد حقّقوا هدفهم بالانتقال أكاديميّاً الى المرحلة الأعلى. و لكن، كيف قارب التلميذ تحقيق هذا الهدف لجهة القيم؟!!

لا شكّ بأن هناك نسبة لا يستهان بها من التلامذة الذين ليس لديهم المستوى الاكاديمي المطلوب للإنتقال الى المرحلة الأعلى، وهم ينقسمون قسمين: قسم يعاني من ضعف متراكم، ويناضل ويعاني ليحقّق أقرب درجة الى المستوى الأكاديمي المطلوب، والقسم الآخر قرّر عدم تحمّل مسؤوليّة دروسه، وذلك بعد معاناته المتراكمة من عدم ملاءمة المنهج لاهتماماته، و/أو من ضعف اكاديمي متراكم أو أسباب عائليّة.... أمّا النسبة الأخرى من التلامذة فهم الذين يتمتّعون بالمستوى الأكاديمي المطلوب، وملتزمون بواجباتهم الأكاديميّة، إن كان في المدرسة او من خلال التعلّم عن بعد. فهذه النسبة من ضمنهم المتعلّمون المستقلّون الذين تحدّوا خوفهم من جائحة كورونا والتباعد الاجتماعي والوضع الاقتصادي والسياسي واستمرّوا بإصرارهم على استكمال مسيرة تعلّمهم.

انّ "تحقيق الذات" في علم النفس الإنساني، تمثّل إحدى الإحتياجات البشرية الرئيسية، وذلك بحسب نظريّة ماسلو للاحتياجات الانسانيّة. وصف ماسلو "تحقيق الذات"، بأنّها احتياج الفرد الى شعوره بالقدرة على القيام بالعمل الذي يرغب في مزاولته بدوافع ذاتية، اي امتلاكه للمعرفة والمهارة والرغبة في هذا العمل الذي يليق بقدراته الكامنة في أعماقه (ماسلو Maslow، 1969). وهنا نتساءل، الى أي مدى يمكن ان يحقّق التلاميذ الذين هم دون المستوى الأكاديمي المطلوب هذه الحاجة في المستقبل؟! هل تزيد نسبة التسرّب المدرسي والجامعي ؟! انّ من الأسباب المهمّة التي تؤدّي الى التسرّب هي تكليف الطالب بواجبات أكاديميّة كثيرة، رغم عدم قدرته على إنجازها، مع الضغط المستمر من الأهل والمعلمين وأحكام المجتمع الذي يعيش فيه.

و علما" ان قيمة تحقيق الذات تُعزَّز من خلال التفاعلات النفسيّة التي يعيشها الفرد نتيجة الاستجابات الخارجيّة لجهوده ومثابرته وتميّزه، نتساءل ايضاً، هل قمنا بتعزيز هذه القيمة لدى التلاميذ القادة الذين واكبوا و ثابروا وتحدّوا الصعاب؟ ها هم الآن يتساوون ببقيّة زملائهم وخصوصا أولئك الذين لم يتحمّلوا اي مسؤوليّة. والأسوأ من ذلك، بأنّ هؤلاء التلاميذ المتميّزون يتعرّضون للتنمّر من تلك الفئة اللامسؤولة استهزاءً بالجهد والتعب الذي بذلوه. هل سيستمرّ هذا التلميذ القائد مشحوناّ بالدافع الذاتي لتحقيق ذاته مرّة أخرى، علما" بأن الوطن بأمس الحاجة الى ذلك الإصرار وتلك المهارات الرياديّة التي يتمتّع بها؟؟

أنّ التربية التي تهدف الى بناء مواطن صالح و ، هي التي تعزّز قيمة تحقيق الذات لدى ابنائها من خلال الإيمان بهم و بقدراتهم على تجاوز الصعاب، وخلق وسائل تقييميّة صحيحة، حتّى لو عن بعد، وإلّا، فنحن بأزمة تربويّة وطنيّة كبيرة.

*دكتوراه في مجال التربية المستدامة، مديرة مدرسة، مدرّبة و باحثة.

 

 







مقالات ذات صلة