لبنان... وجائحة الجوع!

مشاركة


لبنان اليوم

رصد وترجمة: سوزان أبو سعيد ضو

كتبت الصحافية اللبنانية لينا منذر Lina Mounzer في صحيفة "نيويورك تايمز" The New York Timesمقالا تحت عنوان "لبنان... وجائحة الجوع!"، In Lebanon, a Pandemic of Hunger، وفي هذا المقال، وثقت فيه منذر معاناة اللبنانيين، من الأزمة الإقتصادية المتفاقمة التي تعاني منها البلاد، خصوصا مع حالة التعبئة العامة، وصولا إلى تجاوز عدد اللبنانيين الراسخين تحت خط الفقر إلى 50 بالمئة من الشعب اللبناني!

تروي منذر ما حصل معها شخصيا، إذ كانت تتابع تعليمات وزارة الصحة العامة بوضع الأكياس التي تجلبها معها أثناء التبضع في الخارج، لتجد نفسها بعد ذلك تنسى غسل يديها من غلاء الأسعار، وتقرر مع زوجها الإستغناء عن بعض المواد الإستهلاكية مثل الجبن.

كما تنهي مقالتها برواية حال والدة زوجها التي وجدت نفسها لا تستطيع الحصول على معاشها التقاعدي بسبب الأزمة المالية، وتضطر إلى الإكتفاء بما لديها، بسبب وضع التعبئة العامة، وأن "كورونا" قد علمت الناس أن تعيش "الحياة الصغيرة" حتى ما بعد "كورونا".

في المقالة تجربة شخصية، تمتزج بالواقع العام لمعظم اللبنانيين.

تؤكد منذر أنها من الأكثر حظا، فحالها أفضل من الكثير من اللبنانيين، فهي تستطيع شراء ما تحتاج إليه، وقد وثقت أنه أيلول/سبتمبر كان ثلث اللبنانيين تحت خط الفقر، إلا أن النسبة الآن تتجاوز 50 بالمئة، وأن الجميع أثنى على الحكومة لجهة تعاملها مع جائحة "كورونا" وحالة التعبئة العامة، إلا أن هذه الجائحة برأيها ورأي العديد من اللبنانيين كانت هدية للسياسيين.

وذكّرت منذر بشرارة الثورة في 17 تشرين الأول التي انطلقت بعد خطوات التقشف التي اعتمدتها الحكومة للحد من الدين العام بفرض ضريبة على تطبيق الواتس آب WhatsApp، لتبدأ الإحتجاجات التي استهدفت الحكومة بسبب عقود من الفساد بالإضافة إلى استهداف نظام المحاصصة السياسية، والمصارف.

فقد قامت المصارف بإقراض الحكومة ودائع اللبنانيين، وبالتالي نفذت سيولة الدولار من حساباتها، فلم تعد تتناسب مع قيمة هذه الودائع، ولتبدأ هذه المصارف منذ تشرين الثاني/نوفمبر، بوضع "كابيتال كونترول" غير رسمي على سحوبات اللبنانيين بعضها لا يزيد عن 100 دولار أسبوعيا.

بالمقابل بدأت الليرة تفقد قيمتها الرسمية التي بقيت عند 1507 لسنوات، بعد هندسات حاكم مصرف لبنان المتتالية، وعادت الإحتجاجات إلى الشوارع، وإن كانت أقل عددا بسبب حال التعبئة العامة، مستهدفة المصارف ومنازل السياسيين ووزراء الحكومة.

وتروي منذر كيف تعاملت الحكومة مع الجائحة، ومنذ التعبئة العامة في 23 آذار/مارس، عندما تم تسجيل 60 حالة إصابة بـ "كورونا"، مع توقعات بارتفاع عدد الوفيات إلى 600 بحلول حزيران/يونيو، وأن الحكومة استغلت الفرصة لتفكيك خيم المحتجين في ساحات الثورة في هذا الوقت.

وفي هذا الوقت سمحت المصارف لأصحاب الأعمال بسحب الدولار بالمقابل حرمان صغار المودعين، ومع سلسلة التعميمات من مصرف لبنان، هوى سعر الليرة وساهم في عدم استقرار سعرها، وأصبح هناك تهافت محموم على شراء الدولار، مع شحه من الأسواق.

وبتاريخ 25 نيسان/أبريل، وصل سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار إلى ما بين 4 آلاف و4200 ليرة، لتفقد 60 بالمئة من قيمتها، لينفجر الغضب الشعبي، وخصوصا في طرابلس، المدينة الأفقر في لبنان، ليخرق المتظاهرون حظر التجول الليلي في العديد من المدن ومنها طرابلس وبيروت، وبدأوا بقطع الطرقات، وإحراق المصارف التي سمحت بتهريب الملايين من الدولارات من حسابات كبار المودعين، بينما لا يستطيع الناس أن يشترون العدس.

وكان طابع المظاهرات الأخيرة يائسا للغاية، وتعاملت معه القوى الأمنية والجيش بعنف غير مسبوق، وذلك باستعمال القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والحي لكبح المتظاهرين، وليسقط الشهيد فواز السمان وعمره 26 سنة يوم 27 نيسان/أبريل والذي يعمل كميكانيكي للدراجات النارية ويعيل زوجة وطفلة صغيرة برصاص الجيش اللبناني، وفي اليوم التالي نشر الجيش اللبناني فيديو يصور عناصر من الجيش وهم يوزعون المساعدات على الناس، مع مشاهد من العنف من المتظاهرين وبتعليق "هل هذا جزاء المعروف؟" لتتم إزالته بعد ذلك بسبب الغضب العارم.

كما تحدث معتقلون بسبب الإحتجاجات عن العنف المفرط الذي تعرضوا له خلال الإعتقال، بالضرب المبرح والصعق بالكهرباء من قبل مخابرات الجيش، فقد بدت هذه الأهوال قليلة أمام عدم القدرة على تأمين أبسط المستلزمات الضرورية للحياة، بالإضافة إلى جائحة "كورونا" التي وصل عدد الإصابات بها حتى مساء الأمس إلى 741 حالة و25 حالة وفاة، تعلق منذر ليخاف المرء من المرض، يجب على المرء أن يشعر بأن هناك مستقبل، ويبدو هذا المستقبل في لبنان، قاتما بشكل لا يصدق.

وأثناء هذه الإحتجاجات المستمرة، أعلنت الحكومة الأسبوع الماضي عن "خطة الإنقاذ" الاقتصادية التي تتضمن مناشدة صندوق النقد الدولي I.M.F للحصول على قرض. فإن وافق البنك الدولي على هذا الطلب، فعلينا أن نتعامل مع تدابير التقشف التي ستزيد فقط من الفقر. لكن هذا إذا استطاعت الدولة اللبنانية المعروفة بفسادها أن تحقق الحد الأدنى من الإصلاحات التي يطلبها البنك الدولي.

تقول منذر من المتوقع أن تخف إجراءات التعبئة العامة في الـرابع والعشرين من الشهر الحالي، وأن تبدأ المطاعم بفتح أبوابها، فكم عدد الأشخاص الذين سيتحملون هذه التكلفة.

في الخلاصة، هذا المقال، يشمل التجربة الشخصية لمواطنة لبنانية، بظل الوضع الإقتصادي والسياسي والإجتماعي الضاغط في البلاد، فالأيام القادمة ليست عصيبة فحسب، بل ربما الأكثر صعوبة، فهل سنشهد المزيد من الإحتجاجات، والمزيد من العنف المقابل، مع تفاقم الازمة الاقتصادية وتدهور القدرة الشرائية لمعظم الشعب اللبناني؟







مقالات ذات صلة